أبو الليث السمرقندي
398
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ يعني : الذي يقرأ عليك يا محمد ، لقرآن شريف ، كريم على ربه ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ يعني : مستور من خلق اللّه ، وهو اللوح المحفوظ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني : اللوح المحفوظ . ويقال : لا تمسه إلا الملائكة المطهرون من الذنب ، ولا يقرؤه إلا الطاهرون . ويقال : لا يمس المصحف إلا الطاهر . وروى معمر ، عن محمد بن عبد اللّه بن أبي بكر ، عن أبيه رضي اللّه عنه : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كتب كتابا فيه « لا يمسّ القرآن إلّا على طهور » . وروى إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال : « كنا مع سلمان فخرج ، يقضي حاجته ، ثم جاء ، فقلنا : يا عبد اللّه لو توضأت ، لعلنا نسألك عن آيات اللّه ؟ فقال : إني لست أمسه ، لأنه لا يمسه إلا المطهرون . فقرأ علينا ما نسينا . يعني : يجوز للمحدث أن يقرأ ، ولا يجوز أن يمس المصحف . وأما الجنب لا يجوز له أن يمس المصحف ، ولا يقرأ آية تامة . ثم قال : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني : أنزل اللّه تعالى جبريل عليه السلام على محمد صلّى اللّه عليه وسلم بهذا القرآن يقرأه عليه من رب العالمين . ثم قال عز وجل : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني : تكفرون . وقال الزجاج : المدهن والمداهن : الكذاب المنافق . وقال بعض أهل اللغة : أصله من الدهن ، لأنه يلين في دينه . يعني : ينافق ، ويرى كل واحد أنه على دينه . ويقال : أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني : مكذبون وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ يعني : شكر رزقكم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ يعني : تقولون للمطر إذا مطرتم مطرنا بنوء كذا . وروي عن عاصم في بعض الروايات : أنكم تكذبون بالتخفيف . يعني : تجعلون شكر رزقكم الكذب ، وهو أن يقولوا : مطرنا بنوء كذا . وقرأ الباقون : تُكَذِّبُونَ بالتشديد . يعني : تجعلون شكر رزقكم التكذيب ، ولا تنسبون السقيا إلى اللّه تعالى الذي رزقكم . ثم قال : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ يعني : بلغ الروح الحلقوم وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إلى الميت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يعني : أمر اللّه تعالى وهو ملك الموت أقرب إليه منكم ، حين أتاه لقبض روحه وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ما حضر الميت فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ يعني : غير محاسبين . ويقال : غير مملوكين ، أذلاء عن قولك ، دنت له بالطاعة ، وإنما سمي يوم الدين لأنه يوم الإذلال ، والهوان . ويقال : غَيْرَ مَدِينِينَ يعني : غير مجزيين تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني : إنكم غير محاسبين ، فهلا رددتهم عنه الموت ؟ ثم ذكر الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم في أول السورة فقال : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني : إذا كان هذا الميت من المقربين عند اللّه من السابقين فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ قرأ الحسن : فَرَوْحٌ بضم الراء المهملة ، وقراءة العامة : بالنصب . وقال أبو عبيد : لولا خلاف الأمة لقرأته بالضم . وروت عائشة رضي اللّه عنها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قرأ : بالضم . وقال القتبي :